اسم المستخدم  كلمة المرور نسيت كلمة المرور

محضر الاجتماع
بافتتاح أعمال المحكمة الإدارية العليا

في يوم السبت 28 من صفر سنة 1375 – الموافق – 15 من أكتوبر سنة 1955، برئاسة السيد الأستاذ السيد علي السيد - رئيس مجلس الدولة،
واجتماع السادة الأساتذة بدوي إبراهيم حمودة والإمام الإمام الخريبي وحسن جلال وعلي إبراهيم بغدادي ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين - أعضاء
والسيد الأستاذ سيد علي الدمراوي - رئيس هيئة مفوضي الدولة
والسيدين الأستاذين علي محسن مصطفى المستشار وحامد حندوسة المستشار المساعد بهيئة مفوضي الدولة
والسيد/ محمد سعيد عبد الفتاح، المنتدب للقيام بأعمال سكرتيرية المحكمة - كاتب الاجتماع
افتتح السيد الأستاذ رئيس المجلس الاجتماع بالكلمة الآتية:
(بسم الله الرحمن الرحيم نفتتح اليوم أعمال المحكمة الإدارية العليا، وهي من أجل ما استحدثه القانون رقم (165) لسنة 1955 الذي يعد مفخرة من مفاخر حكومة الثورة المباركة، فقد دعمت به مجلس الدولة وهيأت له من وسائل التقوية والإصلاح ما يمكنه من النهوض برسالته على خير وجه، باعتباره من أهم أعمدة النظام الديمقراطي القوي السليم.
وإن إنشاء هذه المحكمة ليعتبر بحق ثورة في تاريخ القضاء الإداري، فستكون المعقب النهائي على جميع الأحكام الصادرة من دوائر محكمة القضاء الإداري ومن المحاكم الإدارية كافة. وإنه ليظهر من ذلك خطر المهمة الملقاة على عاتقها، فكلمتها ستكون القول الفصل في تأصيل مبادئ القانون الإداري تأصيلاً يربط بين شتاتها ربطًا محكمًا متكيفًا مع التطور في سير المرافق العامة وفي تنسيق قواعده تنسيقًا يمنع التعارض والتناقض بين أحكام القضاء الإداري ويتجه بها نحو الاتساق والاستقرار والثبات. ويزيد من خطر هذه المهمة أن القانون الإداري، على عكس القانونين المدني أو التجاري، غير مقنن، ولذا كانت مهمة القاضي الإداري ليست مجرد تطبيق قواعد مقننة مقدمًا، بل هي في الأغلب ابتداع الحلول القانونية التي تتلاءم مع الطبيعة الخاصة للروابط التي تنشأ بين الإدارة والأفراد في مجالات القانون العام؛ فإنها بحكم تعلقها بسير المرافق العامة لا يمكن أن تحكمها قواعد جامدة كتلك التي تحكم الروابط المدنية في مجالات القانون الخاص، بل يجب أن تتغير وتتطور وتتكيف وفقًا لاحتياجات تلك المرافق وضرورة سيرها؛ ومن هنا ابتدع القانون الإداري نظرياته التي استقل بها في هذا الشأن، وذلك كله يقتضي من القائمين بأمر القضاء الإداري مجهودًا شاقًا مضنيًا في البحث والتأصيل لا يقف عند حد الموازنة والترجيح كما هي مهمة القاضي المدني، بل يجاوزه إلى الفهم بمنطق القانون العام، وبالنظر الثاقب البصير باحتياجات المرافق العامة، كي يلمس مركز التوازن بين المصلحة العامة في سير تلك المرافق وبين الصوالح الفردية الخاصة، فيبتدع من الحلول القانونية المرنة ما يوائم بينهما.
ولقد كان إنشاء المحكمة العليا أمرًا لا محيص عنه، بعد تعدد دوائر محكمة القضاء الإداري وإنشاء المحاكم الإدارية المختلفة. وقد كان القانون رقم (112) لسنة 1946 بإنشاء مجلس الدولة خلوًا من أي نص ينظم الوسيلة لتفادي تناقض الأحكام؛ ولعل ذلك راجع إلى أن محكمة القضاء الإداري في أول تشكيلها كانت تتكون من دائرتين خماسيتين، وسار العمل على أن تنظر الدائرة الأولى القضايا المقدمة من الأفراد، وتنظر الأخرى القضايا المقدمة من الموظفين، فلم يحصل تناقض بين الأحكام. ثم تعددت الدوائر تبعًا لازدياد عدد القضايا، وجاء القانون رقم (9) لسنة 1949 فأجاز لأية دائرة من دوائر محكمة القضاء الإداري – كلما رأت لدى النظر في إحدى الدعاوى أن النقطة القانونية المقتضى البت فيها سبق صدور جملة أحكام بشأنها يناقض بعضها بعضًا، أو كان من رأيها العدول فيها عن اتباع مبدأ قانوني قررته أحكام سابقة – أن تأمر بتجديد المرافعة في الدعوى وإحالتها إلى دوائر المحكمة مجتمعة. فكانت هذه الإحالة اختيارية للدائرة المنظورة أمامها الدعوى، كما أن دوائر المحكمة لم تكن ملزمة بأن تتبع في المستقبل قضاء الدوائر المجتمعة في نقطة قانونية معينة؛ ومن ثم كان العلاج ناقصًا لا يحقق توحيد المبادئ واستقرارها، هذا إلى زيادة عدد مستشاري المحكمة زيادة تجعل مداولتهم من الصعوبة بمكان لتفرق الآراء بحسب اختلاف وجهات النظر، فلم يكن – والحالة هذه – مندوحة من إنشاء المحكمة العليا كعلاج حاسم.
وبقدر اغتباطنا بهذا النظام الجديد بقدر شعورنا بالمسؤولية الخطيرة الملقاة على عاتقنا، نحن الذين عهد إلينا الابتداء بهذه المهمة، ولكني لعلى يقين من أن زملائي، وهم من صفوة مستشاري المجلس علمًا، وأكملهم خلقًا، سيحملون معي الأمانة بكل عزم وتفانٍ، ليس لهم من رائد إلا نداء الحق ووحي الضمير.
وإذا كانت مهمتنا شاقة وخطيرة، فإني واثق من أننا سنجد من هيئة مفوضي الدولة ومن إخواننا المحامين خير عون لنا على تحري الحقيقة وإنارة طريق العدالة.
إن القانون الجديد قد ناط بهيئة المفوضين مهمة ضخمة ونظم هذه الهيئة تنظيمًا مبتكرًا من أساسه، ولم يكن فيه مقلدًا للنظم الأجنبية، وإنما ابتدع – على هدى تجارب الماضي وهو زهاء عشر سنوات – نظامًا أصيلاً يناسب ظروفنا الخاصة يجمع بين مزايا نظام المقررين ونظام مفوضي الحكومة أمام مجلس الدولة الفرنسي مع سلطات أوسع للمفوضين في سبيل تهيئة الدعوى على نمط يجمع بين التبسيط والسرعة في الإجراءات حتى لا تبقى المراكز القانونية مزعزعة أمدًا طويلاً، وبين تمحيص القضايا تمحيصًا دقيقًا ينتهي برأي مسبب تتمثل فيه الحيدة لصالح العدالة والقانون. وإنه ليسرني أن ألمس حسن البداية في السير على هذا النهج، فأرى بين القضايا المعروضة علينا اليوم طعونًا مقدمة من هيئة المفوضين لصالح الناس، وطعونًا أخرى لصالح الإدارة، تغيت الهيئة فيها جميعًا صالح العدالة والقانون وحدهما.
وإني إذ أتوجه إلى إخواننا المحامين باعتبارهم أعوان القضاء في تحري الحقيقة وإنارة طريق العدالة، إنما أرجو أن يكونوا عند حسن الظن بهم. إنا لنعلم أن مهمتهم شاقة مضنية، ولكننا نرجو أن يقدروا المسؤولية الملقاة على عاتقهم في هذا الصدد. إن الجميع، مفوضين ومحامين، مطالبون بأن يهتدوا بهدى القانون الجديد وأن يعملوا بروحه، إذ استهدف تجريد المنازعات الإدارية من لدد الخصومات الفردية، وليضع الكافة نصب أعينهم أن الإدارة خصم شريف لا يبغي إلا معاملة الناس جميعًا طبقًا للقانون على حد سواء نزولاً على مبدأ سيادة القانون، فكلمته هي العليا.
وفي الختام أرجو الله أن يهدينا جميعًا إلى طريق السداد فهو ولي التوفيق).
ثم ألقى السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة الكلمة الآتية:
(باسم هيئة مفوضي الدولة أحي محكمتنا العليا التي انبثق نورها في جلسة اليوم، فكانت ضمانًا فوق ضمان، وضرورة اقتضاها تعدد دوائر محكمة القضاء الإداري والمحاكم الإدارية للتعقيب النهائي على أحكامها.
وإذا كان القانون قد وضع في يد هيئة المفوضين أمانة الدعوى الإدارية، وبوجه خاص حق الطعن في الأحكام أمام المحكمة العليا سواء لصالح الأفراد أو الحكومة، فإني لأرجو أن نؤدي الأمانة التي حملناها بالحيدة التامة لصالح العدالة، ونعاهد الله ونعاهدكم على السير على هدى القانون وتمكين أحكامه لتكون كلمته هي العليا.
وفقنا الله وهدانا سواء السبيل).
ثم وقف الأستاذ الدكتور السيد صبري المحامي وألقى الكلمة الآتية:
(باسم المحاماة وباسم المشتغلين بفقه القانون العام، أحي هذه المحكمة الإدارية العليا بمناسبة اجتماع لها. ويشاء القدر أن يشرفني بهذه التحية كما شرفني منذ خمس سنوات خلت بتحية الدوائر المجتمعة لمحكمة القضاء الإداري في أول انعقاد لها.
وإننا لمستبشرون بإنشاء هذه المحكمة الإدارية العليا، وعلى يقين من أنها قادرة على تحقيق الغاية السامية من إنشائها، وأنها سترسي مبادئ القانون العام على قواعد متينة الدعائم قوية البنيان، وسيرجع إليها الفضل في القريب العاجل في استقرار أحكام القضاء الإداري فيما يبدو من اختلاف طبعي في وجهات النظر في الأحكام الصادرة من دوائر المحاكم الإدارية.
وقد أوضح السيد الرئيس الآن بما فيه الكفاية الفرق بين مهمة القاضي المدني والقاضي الإداري. والواقع أن مهمة القاضي الإداري لا تنحصر في تطبيق القانون تطبيقًا حرفيًا كما هو الحال في القضاء العادي، بل مهمة القاضي الإداري هي الموازنة بين المصلحة العامة والمصالح الخاصة، فيخلق الحلول المناسبة لها متوخيًا تحقيق العدالة في أكمل صورة لها، ولذلك سمي (بالبريتور) نسبة إلى القاضي الروماني الذي كان يخلق القواعد القانونية خلقًا.
ولهذا سبق أن أوضحت أن تمثال العدالة الذي يتمثل في القضاء العادي في صورة امرأة معصبة العينين إمعانًا في عدم رعاية القاضي بمصالح أي من الطرفين المتنازعين؛ إذ أن وظيفته هي تطبيق القانون تطبيقًا حرفيًا، فإذا أضير أحد الطرفين فالذنب في ذلك ذنب المشرع – أقول لكل هذا أوضحت أن هذا التمثال لا يصلح في مجال القضاء الإداري إلا إذا رفعت العصابة عن عينيه.
وقد سبق لي أن سجلت أن أخطر اتجاه في التشريع الجديد لمجلس الدولة هو إنشاء هيئة المفوضين كجزء من المحكمة تكون وظيفتها إبداء الرأي السليم المحايد على أساس أن الإدارة هي خصم شريف، عليه أن يعطي كل ذي حق حقه طبقًا لأحكام القانون، وتجريد المنازعات الإدارية من لدد الخصومات الفردية.
وحسبي للتدليل على ذلك أن أقرر في صراحة تامة أن الطعن في الحكم في الدعوى التي أمثلها أمام هذه الهيئة الموقرة إنما يرجع الفضل فيه إلى رئيس هيئة المفوضين؛
إذ قدم سيادته الطعن من تلقاء نفسه؛ فأكد بذلك أن الهيئة التي يرأسها ستكون العين الساهرة على تحقيق المبادئ القانونية السليمة.
وإذا كان العدل هو أساس الحكم، فالقضاء هو مصدر هذا العدل، فهو قبلة المظلوم، وملاذ المهضوم، إنه المشكاة التي فيها المصباح، وما دام المصباح يضيء ككوكب دري، فأمل كل فرد في الوصول إلى حقه لا يخبو أبدًا بل يتحول إلى إيمان ثابت في العدالة التي أنتم – أيها القضاة – حماتها في كل وقت وفي كل جماعة.
وفقكم الله جميعًا وإيانا إلى سواء السبيل).
ثم وقف الأستاذ عبد الحليم الجندي وكيل إدارة قضايا الحكومة وألقى الكلمة الآتية:
(إن إدارة القضايا تغتبط كل الاغتباط بإنشاء محكمة إدارية عليا، التي أصبح لها التعقيب النهائي على الأحكام التي تصدرها دوائر محكمة القضاء الإداري والمحاكم الإدارية ووضع المبادئ القانونية لمنع التناقض بين الأحكام، وندعو الله أن يوفقنا جميعًا إلى خير ما نرجوه).
وانتهى الاجتماع حيث كانت الساعة العاشرة صباحًا.